علي بن أحمد المهائمي
286
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
صغر المرآة وكدورتها بل هو نور غير متناه جامع للكمالات ، ( ولهذا ) أي : ولكون عينه في الكل وهو نور غير متناه جامع للكمالات ، ( وسعت رحمته ) فيضان وجوده الذي هو خير محض حاصل من ذلك النور الجامع مع الغير المتناهي ، ( كل شيء من حقير وعظيم ) والحقارة من نفس الشيء لا من التجلي ؛ ولذا صدق في حقّه : ( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي : لا ظلم من جهته ، ولا تحل ولا قبح لاستقامة في مشيه على مقتضياتها بحسب نواصيها التي هي الرقائق الناشئة منها الواصلة إليه . ثم استشعر سؤالا ؛ فإنه كيف يحسن فيضان شيء على عين بحسب مقتضاها إذا كان من مقتضاها جهة القبح في ذلك المفاض من الضلال ، الموجب للغضب عليه والعقاب ، وهل هو إلا كبيع السيف من قاطع الطريق ، وإعطاء المال للمسرف القمار المنفق في المعاصي ؛ بل أشد منه فأجاب بأنه لما كانت ناصيته بيد من هو على الصراط المستقيم في الإفاضة ؛ كان هذا القابل على الصراط المستقيم ؛ ( فكل ماش ) من مطيع أو عاص ( فعلى صراط الرب المستقيم ) في القبول من حيث يقبل عطاء ربه بعد اقتضائه منه ، ( فهو غير المغضوب عليهم من هذا الوجه ) أي : قبول ذلك من اللّه تعالى ، ( ولا ضالون ) في هذا القبول ، وإنما ضلوا باعتبار اتباعهم أهوائهم المفوتة عنهم ما لنوعهم من استعداد الجهة الحسنة النافعة لهم ، لو حصلت لهم وهي التي خلق ذلك النوع لأجلها لما فيها من كمال الحكمة ، فكان الضلال عارضا لهؤلاء الأفراد من ذلك النوع بالنظر إلى الأفراد المتصفة بتلك الجهة الحسنة . ( فكما كان الضلال عارضا كذلك الغضب الإلهي عارض ) من توقفه على ذلك الضلال ، بحيث لولاه لم يتحقق أصلا ومع ذلك ( المآل ) أي : مرجع الغضب في أصل وجوده ( إلى الرحمة ) ؛ لأنها ( التي وسعت كل شيء ) حتى نفس الغضب والعذاب فوجدا بالرحمة بهما ، وإن لم يكونا رحمة على المغضوب عليه المعذب ، وهي : أي : الرحمة ( هي السابقة ) على الغضب في قوله عليه السّلام حكاية عن اللّه تعالى : « إن رحمتي سبقت غضبي » « 1 » . هي الأصل اللاحق كل شيء ما لم يلحق به الغضب ، فإن ألحق به وعارضه موجب الرحمة غلبت الرحمة أيضا ، ولذلك يخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، فإذا ألحق الغضب ، ولم يعارض موجب الرحمة ، كان الغضب كالسابق حينئذ . [ وكلّ ما سوى الحقّ ؛ فهو دابّة فإنّه ذو روح ، وما ثمّة من يدبّ بنفسه ، وإنّما يدبّ بغيره ؛ فهو يدبّ بحكم التّبعيّة للّذي هو على الصّراط المستقيم ، فإنّه لا يكون
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2700 ) ، وابن ماجة ( 1 / 67 ) ، وأحمد في « المسند » ( 2 / 397 ) .